لقاء وسائق المركبات العسكرية
لقاء مع .. منقذ الرهينة الفرنسية جندي اول " الشعافي " ، سائق المركبات العسكرية ، التقيت به وقد مضى ردحا طويلا من الزمن على تلك الحادثة .. ، تجادبنا اطراف الحديث ، نستعيد شريط الذكريات واين قذفت به الاقدار بعد كل هذه السنين ، تحدث بحسرة المعتبر عن تلك الظروف المعيشية القاسية لأسرته والتي دفعت به للانخراط في صفوف الجيش الليبي كجندي مقاتل عام 1976 م ووطأة الزمن العسكري . وعن امانيه في الارتقاء واتمام دراسته وقد ذهبت سدى ، تجوب الفراغ لتحط على ارض جرداء ، هواءها دخان وروائح الدماء ، واوامر وشقاء ، ولهت وعناء .. في ذلك الزمن المعتم .. محطات لا تنسى ، ومرحلة طواها النسيان .
عام 1978م كانت البداية الفعلية للعمليات العسكرية بالجنوب ، عندها لم تكن القوى العمومية لحامية " سبها " حاضرة اقليم فزان ، المكلفة بأمن الجنوب تتعدى 470 مجند ، كلف كسائق ماهر للمركبات الثقيلة بمرافقة القوات المتجة جنوبا ، صرفت له بطاقة تثبت هويته كأحد افراد جبهة تحرير فرولينا ، تقدمت القوات على محورين ، المحور الاول بقيادة " كوكوني عويدي "آمر قوات التبو ، والمحور الثاني بقيادة " احمد اصيل " قائد قوات المحاميد ، وعند منطقة " ازوار " نقطة تجمع القوات ( التشادية الليبية ) ، توجه الغالبية نحو مدينة ( فايا ) ، والبقية نحو مدينة ( فدا ) ، القوات الليبية رمزية الى حد ما في ذلك الوقت ، عدد 12 سيارة ضمن المحور المتجه نحو ( فدا ) بامرة احد ضباط الاستخبارات الليبية ( أ. ح ) .. قصفت المدينة بسلاح الجراد وتم تحريرها ، وفي الوقت عينه كانت هناك فرقة اخرى من القوات الليبية وقد تمركزت بوادي " مرو " ، بقيادة ضابط ليبي يلقب بـ ( الصاروخ ) ، كانت مهمتنا دعم القوات والامداد اللوجستي ، وفي وادي " مرو " ، استحدث مهبط ترابي لنزول الطائرات .
يستذكر ايضا دوره وزملائه على الارض ، ” مهمتنا لم تقتصر فقط على نقل العتاد والسلاح للقوات المتقدمة ، بل نفدنا العديد من الرحلات لنقل التموين وتوزيعها على مواطني قرى ومدن شمال تشاد في محاولة لاستقطابهم .. اسطول نقل صحراوي كنت احد عناصره وخبرائه ، وتحت ما يسمى بالجمعية العسكرية ، نقلنا المواد التموينية وقمنا ببيعها باسعار رمزية – صندوق المكرونه سعره بمدينة " سبها " 3 دينار نبيعه هناك بسعر 4 دينار ، جوال السكر ثمنه 6 دينار نبيعه بسعر 8 الى 9 دينار ، كان ديدني البيع بمنطقة " بير شارده " ، ومنطقة وادي " مرو “. يصف الاماكن والاحداث .. في وادي مرو .. وكيف يصطف الاهالي في طوابير امامه ، لكل حصة محدودة حسب عدد العائلة .. وادي مرو ، حيث العين الجارية وانسياب الماء بوفرة .. الطبيعة الجبلية ، الساكنة المأهولة العدد وقد اتخذ بعضهم من الجبال سكنا .. ولم يخفي اسفه من تصرفات بعض الزملاء الذين لم يتقيدوا بالأسعار الرمزية ، ليبقى الفائض رهن جيوبهم .
ايضا يستذكر الرحلة من " اوجنقا " التشادية الى " واو ط الليبية وقد كلف بنقل عالمة الآثار الفرنسية " فرانسواز كلوستر " وزوجها " بيير كلوستر " الرهائن المختطفين لدى زعيم متمردي الشمال " حسين حبري " منذ عام 1974 م ، وقد افرج عنهم في يناير 1977, بعد قضائهما ألف يوم في الأسر, وبعد أن تم دفع فدية للخاطفين من قبل القدافي توددا لفرنسا وايهاما لساستها بدوره الرائد والمحوري بتلك البقاع ، وليفرض نفسه محاورا على أطراف القضية ، بعدما استمال معارض شمالي اخر كان له الدور الاوفر ( كوكوني عويدي) .
لقد فعلت ما بوسعي للتخفيف من فزعهم وارقهم ، ولبعث الطمأنينة في قلوبهم طوال تلك الرحلة الصحراوية الطويلة ، وفي منطقة ( واو) كانت الطائرة تنتظرهما ، رحلوا على الفورالى طرابلس “. ولابد انه حضي بشيء من كلمات الثناء التي صرحت بها الباحثة واسيرة الصحراء عند وصولها إلى طرابلس .. وإن استحوذ القذافي على الثناء بمفرده .. ” اريد أن يعرف الليبيون جميعهم بأنني وزوجي في غاية السعادة من الاستقبال الرائع الذي لقيناه في ليبيا ” .
آهاته .. زفراته .. تحكي قصص مؤلمة من تاريخ ذلك الزمن المعتم .. وكيف قذف به فيما بعد خارج المؤسسة العسكرية ، يتسأل بحرقة عن حجم تلك التضحيات وكيف ذهبت سدى ، وعن اشلاء وجثت زملاء قبروا في مجاهل الصحراء .. وعن حالة البؤس التي يعيشها اليوم وقد التهمت السنون وتقدم العمر ما لم يكن بالحسبان .
تحولت هذه القضية والقصة المؤثرة إلى فيلم سينمائي , بعنوان أسيرة الصحراء , بطولة ريمون دوباردون, وساندرين بوناير. كما كتب عنها بيير كلوستر كتابا بعنوان : L’Affaire Claustre : autopsie d’une prise d’otages, Karthala, 1990. و كلود ووتيير كتابا آخر بعنوان عنوانه : quatre présidents et l’Afrique, Seuil, 1995 احتجاز الرهينة الفرنسية والعالم في الأنثروبولوجيا فرنسوا كلوستر 21 أبريل 1974 إلى فبراير 1977 .. منح فرصة لقائد التمرد " حسين حبري " لتعريب بقدرة جبهة فرولينا على المناورة وبسط سيطرتها بمنطقة تبستي . ومن التوغل في المشهدين السياسي والإعلامي .. وفرض خيار التفاوض على فرنسا . رفضت الرهينة الحديث عن تفاصيل محنتها .. واختارت الابتعاد عن وسائل الاعلام .. توفيت كلوستر العام 2006 .
يعتب على اولئك الذين يتصدرون القرار اليوم ، ورواد المشهد الاعلامي ومتنفديه ، كيف لا يجرؤ احدهم للمبادرة بتدوين تلك الحقبة المؤلمة من تاريخ شعبنا ، بالكلمة والصورة ، يقول ” نحن لا زلنا على قيد الحياة ، ويمكننا ان نعود ونجوب تلك الوهاد الصحراوية الوعرة التي قاسينا ألام عبورها متربصين ، سلاحنا الحذر ، ففي الجانب المقابل هناك من يترصد قدومنا ، ويزرع الاشواك في طريق تقدمنا جنوبا ، نحو ارض الدولة الجارة والشعب الشقيق .. تشاد .. وحرب تشاد ” .. لكم تمنى ان يعيد الكرة ليقف بتلك الاماكن من جديد ، يحمل هذه المرة رسالة سلام ، ورغبة في توثيق الوقائع كما عاصرها ، هنا حيث سقط زملائه وارتوى ثرى المكان بدمائهم الزكية .. مدفوعين قسرا باوامر صارمة ارادت لجتثهم ان تشكل جسرا لعبوره نحو المجهول . ناخ علي هم الدهر ، ليفرج عن صرخة اختزنتها عقود الصمت ، اراد لها ان تدوي هادمة جدران الصمت .
